الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

455

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وقدرتهم ، ولهذا السبب فإن وجود إله واحد يعد قليلا من وجهة نظرهم ، في حين - كما هو معلوم - أن الأشياء المتعددة من وجهة النظر الفلسفية تكون دائما محدودة ، والوجود اللامحدود واحد لا أكثر ، ولهذا السبب فإن كل الدراسات في معرفة الله تنتهي إلى توحيده . وبعد أن يئس طغاة قريش من توسط أبي طالب في الأمر وفقدوا الأمل ، خرجوا من بيته ، ثم إنطلقوا وقال بعضهم لبعض ، أو قالوا لأتباعهم : اذهبوا وتمسكوا أكثر بآلهتكم ، واصبروا على دينكم ، وتحملوا المشاق لأجله ، لأن هدف محمد هو جر مجتمعنا إلى الفساد والضياع وزوال النعمة الإلهية عنا بسبب تركنا الأصنام ، وإنه يريد أن يترأس علينا وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد . " انطلق " مشتقة من ( انطلاق ) وتعني الذهاب بسرعة والتحرر من عمل سابق ، وهنا تشير إلى تركهم مجلس أبي طالب وعلامات الضجر والغضب بادية عليهم . و ( الملأ ) إشارة إلى أشراف قريش المعروفين الذين ذهبوا إلى أبي طالب ، وبعد خروجهم من بيته تحدث بعضهم لبعض أو لأتباعهم أن لا تتركوا عبادة أصنامكم وأثبتوا على عبادة آلهتكم . وجملة لشئ يراد تعني أن هناك أمرا يراد بنا . ولكونها جملة غامضة بعض الشئ ، فقد ذكر المفسرون لها تفاسير عديدة ، منها : أنها إشارة إلى دعوة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إذ اعتبرت قريش هذه الدعوة مؤامرة ضدها ، وقالت : إن ظاهرها يدعو إلى الله ، وباطنها يهدف إلى السيادة والرئاسة علينا وعلى العرب ، وما هذه الدعوة إلا ذريعة لتنفيذ ذلك الأمر ، أي السيادة والرئاسة ، ودعت الناس إلى التمسك أكثر بعبادة الأصنام ، وترك تحليل أمر هذه المؤامرة إلى زعماء القوم ، وهذا الأسلوب طالما لجأ إليه أئمة الضلال لإسكات أصوات السائرين في طريق الحق ، إذ يطلقون على الدعوة إلى الله لفظة ( مؤامرة ) المؤامرة التي يجب أن يتولى